جهود العلماء في جمع تفسير ابن قيم الجوزية

0
514
tafsir ibnu qayyim elhijaz

جهود العلماء في جمع تفسير ابن قيم الجوزية

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله, أما بعد:

ثبت بأسماء مؤلفات ابن القيم رحمه الله تعالى

فإن الحديث عن تعداد مؤلفات ابن القيم رحمه الله على وجه الدقة والسلامة من الغلط والتكرار أمر فيه كلفة وعناء, لأنه وقع في سردها عند عامة مترجميه ضروب من الوهم والغلط, وبالتتبع صار إرجاء أغاليطهم إلى عدة أمور منها ما يلي:

  1. أن ابن القيم رحمه الله تعالى قد يسمى الكتاب, ثم يشير إليه لمناسبة في بعض مؤلفاته بما يفيد موضوعه لا باسمه الذي سماه به.

مثال ذلك كتابه (( جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام)) فإنه سماه بذلك في مقدمته.

ثم أشار إليه في كتابه ((بدائع الفوائد)) باسم: ((كتاب تعظيم شأن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم))

فيهم النقلة لأسماء مؤلفاته في نحو هذا فيجعلون منه تعدد المسمى ولهذا نظائر كثيرة.

  1. أن يكون اسم الكتاب مكونا من مركبين إضافيين متعاطفين فيذكر الناقل كل مركب إضافي على أنه اسم كتاب مستقل.

مثال ذلك كتابه ((روضة المحبين ونزهة المشتاقين)).

فيذكر بعض مترجميه أن لابن القيم كتاب ((روضة المحبين)) وله كتاب ((نزهة المشتاقين)) وهذا كثير.

  1. أن ابن القيم رحمه الله تعالى قد لا يجعل للكتاب اسما فيطبع الكتاب بام يناسب مادته, ثم يعاد طبعه باسم آخر يناسبه. فيهم النقلة ويجعلون من تعدد الاسم تعدد المسمى.

مثال ذلك كتابه ((الداء والدواء)) فهذه التسمية لسيت من وضع ابن القيم, وقد طبع الكتاب بهذا الاسم. وطبع أيضا باسم ((الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)).

  1. أن بعض أهل العلم قد سيتل بحثا من بحوث ابن القيم رحمه الله تعالى التي ذكرها في بعض ثنايا كتبه –فيفرده في رسالة مستقلة باسم خاص لها من منبخب المبحث. فيذكره البعض في مسرد مؤلفاته مستقلا.

مثال ذلك ((بلوغ السول من أقضية الرسول صلى الله عليه وسلم)). وهذا ليس كتابا مستقلا لابن القيم رحمه الله تعالى وإنما هو من ضمن كتابه (إعلام الموقعين عن رب العالمين)).

  1. عبث الوراقين. وهذا إنما صار بعد انتشار الطباعة فإن الكتاب يطبع باسمه الذي وضع له, ثم يعيده بعض الوراقين باسم آخر ليوهم أن هذا كتاب آخر. فيتهافت الراغبون على شراءه.

مثال ذلك ((الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان)) فإنه أعيد طبعه باسم ((كنوز العرفان في أسرار وبلاغة القرآن)) والمسمى واحد.

  1. التسرع بالحكم على كتاب ما بأنه لابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى من فير توثيق علمي. وهذا الكتاب قد يكون منتحلا استغلالا لشهرة ابن القيم ومكانته في نفوس أل العلم أو للشغب عليه في معتقده السلفي, أو جره إلى ذلك الغلط الواقع في الخلط بين (ابن الجوزي) وبين (ابن الجوزية).

مثال ذلك كتاب ((دفع شبه التشبيه)).[1]

لهذا الوجوه ولغيرها فقد كثر الوهم وانتشر الغلط, ونسب إلى ابن القيم مالا تصح نسبته إليه.

تفسير القرآن الكريم لابن القيم رحمه الله تعالى

ولا غرو فإن ابن القيم هو الحبر الهمام والعلامة الإمام شيخ الإسلام المقدام الذي حاز قصب السبق في جل علوم الشريعة والطريقة النبوية المرضية, فقد غاص في بحار العلوم فاستخرج منها فوائد الدرر وسبر محاسنها فجمع منها أحاسن الغرر. فجاء بحمد الله كتابه كنزا مدفونا من جواهر الفوائد وبحرا مشحونا بنفائس الفرائد.

فلابن القيم رحمه الله تعالى في تفسير القرآن الكريم اليد الطولى وقد تمنى في أثناء تفسيره لسورة الكافرون فقال:

(وعسى الله المان الواسع العطاء الذي عطاؤه على فير قياس المخلوقين أن يعين على تعليق تفسير على هذا النمط وهذا الأسلوب, وقد كتبت على مواضيع متفرقة من القرآن بحسب ما يسنح من هذا النمط وقت مقامي بمكة وبالبيت المقدس والله المرجو إتمام نعمته)[2]

وقد قدره الشيخ بكر أبو زيد حيث قال: (وكتابته على مواضع متفرقة من القرآن هي من خلال كتبه المطبوعة تقع في نحو خمس مجلدات فيما يظهر حسب التتبع)[3]

وبالرغم أنه لا يعرف له تفسير مستقل إلا أن كثرة مؤلفاته تضمنت نفائس في التفسير ونوادر في التأويل, زانت المكتبة الإسلامية وأغنت طلبة العلم بالعلوم النافعة الماتعة, من أجل هذا سمت همة العلماء لجمع تفسير القرآن لابن القيم رحمه الله تعالى, فكشفوا عن دررها وفوائدها, ووفقهم ربهم فأتوا لنا بهذه الكتب المباركة:

الأول: التفسير القيم.

وهو عبارة عن مجلد واحد جمعه الشيخ محمد أويس الندوي وراجعه وقام بتحقيقه الشيخ محمد حامد الفقي. وقد قام بطبعها السلفيان الصالحان الشيخان عبد الله وعبيد الله الدهلويان من كبار تجار مكة خدمة لراغبي التفقه في كتاب الله والحريصين على الاستقامة على نبي الله. فصدر الكتاب بدار الكتب العلمية بيروت.[4]

والثاني: بدائع التفسير الجامع لما فسره الإمام ابن قيم الجوزية.

جمع وخرج أحاديثه يسري السيد محمد وراجع ونسق مادته ورتبها صالح أحمد الشامي. هذا الكتاب أشمل وأكثر احتواء من الأول, وهو في خمس مجلدات ثم طبع طبعة جديدة في ثلاث مجلدات بدار ابن الجوزي في مملكة العربية السعودية.[5]وصدر هذا الكتاب في أثناء طباعة الضوء المنير على التفسير.[6]

الثالث: الضوء المنير على التفسير.

جمعه الشيخ علي الحمد المحمد الصالحي. قال صبري بن سلامة شاهين آل حسين: (ويتمتاز الضوء المنير عنهما بسعته وشموله وكثرة مادته العلمية واحتوائه على كثير من الآيات التي فاتت كلا من الندوي ويسري السيد جزا الله الجميع خيرا على ما قدموه خدمة لكتاب الله وإثراء للمكتبة الإسلامية وطلبة العلم وعامة المسلمين)[7]

قام الشيخ علي على جمع هذا الكنز المدفون خلال خمسة عشر عاما, يبحث وينقب ويقف على كل آية, ويرتب وينظم حتى خرج هذا الكتاب في ستة مجلدات كبار.[8] وطبع طبعة أولى في دار السلام بالرياض سنة 1415ه, وطبع طبعة الثانية في دار القبس بالرياض سنة 1436ه, تتميز هذه الطبعة هن سابقتها بمميزات عدة: أنها مخرجة الأحاجيث موصححة تصحيحات مدققة من قبل المحقق, وذكر قبل النص الآية التي سيشرع في تفسيرها والكلام حولها وجعلت من مصحف المدينة وبذلك زاد حجم الكتاب المحقق على الكتاب الأصلي بمجلد حيث صار سبع مجلدات بدلا من ست في طبعته الأولى.[9]

رحم الله مؤلفه وجامعه ومن سهم في إصداره رحمة واسعة, ونفع الله بعلومهم وجهودهم, وأحيا أعمالهم إلى يوم الدين. وجعل لهم لسان ذكر في العالمين, إنه ولي ذلك والقادر عليه. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

إعداد عمران رشيد نوراني محمد يوسف أستاويجايا

مدير معهد الحجاز لتعليم العلوم الإسلامية والعربية

بجاكرتا-إندونيسيا.

[1] بكر بن عبد الله أبو زيد, ابن قيم الجوزية حياته آثاره موارده, (الرياض: دار العاصمة, 1423ه) ص. 199.

[2] محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله المعروف بابن قيم الجوزية, بدائع الفوائد, (مكة المكرمة: مكتبة نزار مصطفى الباز

1416ه) ج. ص.490.

[3] يسري السيد محمد, بدائع التفسير لما فسره الإمام ابن قيم الجوزية, (الرياض: دار ابن الجوزي) ص.5.

[4] محمد حامد الفقي, التفسير القيم للامام ابن القيم, (بيروت: دار الكتب العلمية) ص.3.

[5] يسري السيد محمد, بدائع التفسير لما فسره الإمام ابن قيم الجوزية, (الرياض: دار ابن الجوزي, 1427ه) ص.6.

[6] علي الحمد المحمد الصالحي, الضوء المنير على التفسير, (الرياض: دار القبس 1436ه) ج.1, ص.35.

[7] المرجع السابق, ج.1, ص. 7.

[8] المرجع السابق,ج.1, ص.7.

[9] المرجع السابق, ج.1, ص. 14.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here